كانت البحرين تمر بحالة عدم استقرار سياسي صعبة، إذا ما أردنا تبسيط الأمر، وكنت أكافح حتى أوازن بين إيلاء الاهتمام الكافي في الفصل وبين التجوال على صفحات الإنترنت لأعرف آخر الأخبار بشأن الاحتجاجات في الوطن
“ماذا؟!” كان جوابي.
“الخبر يملأ صفحات تويتر!”
اتصلت بوالدتي، وكان هاتفها مشغولاً. كان الوقت قد تجاوز الواحدة صباحاً في البحرين. وراحت دقات قلبي تتسارع. اتصلت بشقيقتي التي تعمل في دبي. كانت نائمة، ولم تكن قد سمعت أي شيء. وفي نهاية المطاف، اتصلت والدتي بي لتؤكد الخبر.
والدي، إبراهيم شريف، الأمين العام “لجمعية العمل الوطني الديمقراطي”، قد اعتقل في منتصف الليل.
طلبت منها أن تخبرني عما حدث بالضبط، بينما هرعت إلى حاسوبي الشخصي النقال ورحت أكتب بالإنجليزية ما ترويه لي عن القبض عليه لأنشره على صفحتي في “تويتر”. حينذاك، كان يتابع كتاباتي نحو 150 شخصاً. وقفز العدد إلى ما يربو على 1,000 متابع في الأيام القليلة التي تلت. ويمكن للرابط التالي أن يقودكم إلى ما كتب ونشر:
كانت تلك لحظات بدأت معها حياتي تتغير تغيراً حقيقياً. فطوال شهر أو شهرين، لم أكن أعرف أين كان أبي.
وولّدت الطريقة التي انتزع فيها من أمي شعوراً بأنه ليس بأمان. وعلى الفور، انسحبت من جميع المساقات الدراسية للفصل التالي؛ كنت أعلم جيداً أنني لن أستطيع التركيز على دروسي.
نصحتني العائلة بعدم المجيء إلى البحرين في ذاك الفصل الدراسي، فلم يكن أحد يدري ما الذي يمكن أن يحدث ولم يريدوا مني أن أجازف. ألغيت خططي لإجازة الربيع وركبت الطائرة لأرى صديقة موثوقة في الولايات المتحدة.
قضيت ثلاثة أسابيع مع صديقتي دون أن أستقر على حال. نسيت كيف ينبغي أن أشعر: بالاكتئاب؟ بالعجز؟ ما كان والدي ليشجع على مثل هذه المشاعر. بالقوة؟ وبالتركيز؟ من السهل قول ذلك، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة.
بقيت قوية، أتحدث إلى المراسلين الصحفيين الذين اتصلوا بي عن طريق الهاتف والبريد الإلكتروني، ويسّرت لهم سبلاً للاتصال بوالدتي، بينما انشغلت هي الأخرى بالأمر نفسه.
ومع ذلك، فإن من يحدث له كل هذا هو والدي أنا، وعائلتي أنا، وأنا. لقد تغيرت حياتي وإن لم يكن ذلك نحو الأفضل. ليس على نحو تنتظره صبية تبلغ من العمر 20 سنة وتدرس العلاقات الاقتصادية الدولية. ولم تساعدني برودة الطقس على مغادرة البيت أو على الاختلاط بآخرين، ولذا شعرت لوهلة بأن عالمي يتداعى – وهذا ما لم أكن قد اعتدت عليه، وعلى الأقل بهذا القدْر.
لنمر سريعاً على الشهور الستة التي تلت. أنا الآن في البحرين. رأيت والدي مرتين، مرة في يوم الزيارات العائلية، ومرة في اليوم الأول من نظر الاستئناف الذي تقدم به ضد الحكم بالسجن خمس سنوات الذي صدر بحقه. وما زلت غير قادرة على معرفة ما شعرت به إبان هذا كله.
هو يعرف جيداً كيف يريح قلبي، ولكن أنا كذلك أعرف ما مر به. قضى نحو شهرين في الحبس الانفرادي. وتعرض للإساءة اللفظية والبدنية على أيدي مقنَّعين. صُفع ورُكل وأهينت كرامته وضُرب بخرطوم مياه. وقف لساعات ويداه مرفوعتان في الهواء في إحدى الزوايا، ومن حوله كانت تتطاير أقذع أصناف الشتائم والتجديف. أهانوا حتى شرف جدتي ومعها إحدى الطائفتين الدينيتين الرئيسيتين في البحرين.
هل تستطيع أن تتصور ما يعنيه أن يمر أبي بكل هذا، وحيداً ولزمن لا ينتهي، دون أن يتمكن من الاتصال بمحام أو أن يتحدث إلى أحبائه ولو عن طريق الهاتف؟ وعلى ماذا؟ لأنه طالب بنظام ملكي دستوري؟ لا أستطيع أن أرى أن ثمة صلة يقبلها العقل. قد يبدو كلامي متماسكاً، ولكن وراء هذا كله ثمة صراع عاطفي مضطرم؛ إنه الرجل الذي رباني، ويثير غضبي كثيراً أن أتصور ما مر به طوال هذه الأشهر الستة التي انقضت.
كيف أشعر حيال هذا كله؟ ببساطة: إنه بريء، وإنه لعبء ثقيل لا ينزاح عن الروح أن تراه وراء القضبان عندما نعلم جميعاً أنه ينبغي أن يكون طليقاً.
لطالما جهر الحزب الذي ينتمي إليه والدي بأعلى الصوت بعلمانيته المعتدلة، ولم يخفِ في يوم من الأيام نظراته وآرائه عن الجمهور.
وأثناء الانتفاضة، ظل الحزب ببساطة يكرر ما كا يقوله قبل 14 فبراير. ودور أبي في الانتفاضة كان تثقيف الناس بما ينبغي أن تكون عليه الملكية الدستورية.
لكن الحكومة استغلت الحملة القمعية في مارس/آذار كفرصة للإيقاع بأبي ودمغه بأنه ذاك المتآمر الراديكالي؛ فاتهمته بأنه ينسج المؤامرات لإسقاط النظام بمساعدة من أشخاص لم يكن حتى يعرفهم.
إن الراديكالية والتشدد لم يكونا يوماً في قاموس أبي، ولكن هذه هي وظيفة ماكينة الدعاية الحكومية، وعلى رأسها تلفزيون الدولة.
تصوَّر ما شعرت به من سورة غضب عندما سمعت أن هناك يافطة رفعت في ثلاثة أحياء في وقت واحد وتحمل صور القادة السياسيين، ووالدي بينهم، وعليها عبارة “لا مكان للعفو”، وإلى جانبها صورة حبل المشنقة.
لقد أفلحت الحكومة في غسيل دماغ بعض الناس إلى حد الاقتناع بأنه يجب أن يشنق. فأي عالم هذا الذي نعيش فيه؟
إن البحرين مكان مختلف جداً الآن. ولم أكن في يوم من الأيام أرغب في أن أعود إلى مجتمع بمثل هذا الدرك من الاستقطاب.
لقد عمل والدي جاهداً كي يوفر لنا حياة مريحة. وأنا محظوظة بأنني أنتمي إلى أقلية من البحرينيين تستطيع التمتع بلطافات الحياة الرغدة. وكوني من هذا الوسط يعني أيضاً أن ثمة أناساً كثيرين ترعرعت معهم ممن يرون الأشياء على نحو مختلف؛ فما داعي الشكوى إذا كنت تتمتع بأسباب الراحة؟
أسابيع قليلة، وسأعود لأكمل دراستي. واليوم الذي يلي أول أيام الفصل الدراسي المقبل سيكون اليوم الذي يصدر فيه القاضي حكمه في البحرين بشأن قضية أبي. لا أدري ماذا أتوقع، ولكن هل تلومونني على هواجسي هذه ومحاكماتنا تتم أمام منظومة المحاكم العسكرية التي في بلادنا؟
لا عليكم، فالأهم من كل هذا، أنا فخورة ويملؤني الاعتزاز بوالدي. إنه اليوم، وقد كان، وسيظل دائماً، تلك القامة الباسقة والمحترمة التي ملأت حياتي بالفخار، وأعرف في أعماق قلبي أنه سيقدم أشياء عظيمة لوطني. إنها مسألة وقت، والصبر فضيلة الفضائل… أو هكذا يقولون عندنا.
لست شخصاً ساذجاً، وإنما أعتقد أن الأشياء الجميلة تستحق أن نناضل من أجلها، وما المعاناة التي يمر بها الناس، بمن فيهم عائلتي، إلا الدرب الوعر الذي يقود إلى الفجر الضاحك الذي سيشهده قادم السنين.
وإنني لواثقة من أن البحرين الأجمل لجميع مواطنيه، بغض النظر عن معتقداتهم، آت لا محالة، وأعرف كذلك أن هذه الأيام الصعبة ستشد من أزر أهلي وتقويهم.
“حريتنا هي كرامتنا”، هكذا ظل والدي يقول دائماً، وهذا ما أود أن ألخص به تجربة حياتي حتى هذا اليوم.
إقرأ المزيد
(شهادات من البحرين: مستشفى تحت الحصار (مدونة، 7 سبتمبر/أيلول 2011
(شهادات من البحرين: ذكريات زوجة ناشط مسجون (مدونة، 6 سبتمبر/أيلول 2011
![bahrain-ebrahim-560[1]](http://livewire.amnesty.org/wp-content/uploads/2011/09/bahrain-ebrahim-5601.jpg)

be strong . because you walking on the right way . the protesters in Bahrain will have the big victory soon .
البحرين اه من دولنا العربية التى لاتعرف الا القزة كرد على مطالب الشعوب
يارة اتمنى لها التوفيق ووالدها بمساندة المنظمات الحقوقية والاهلية سوف يكون هناك ضغط على الحكومة فى البحرين كى لايقع اى اذى للرجل كلنا معك يا انسة يارا
يجب ان يكون هناك تحرك وضغط كبير على الحكومة البحرينية من اجل حماية جميع الناشطين والسكان المحليين فما يجري في البحرين من قمع وملاحقة للمتظاهرين وتقييد للناشطين غير مقبول
ابراهيم شريف يدعي الليبراليه ثم يخطط ويتامر على الوطن بإيعاز من ايران ليقود انقلاب تحت قياده ولايه الفقيه
في رائي لا بد ان تحترم كرمات الشعوب في اوطنها وعلى حكوماتنا الا لا تستخدم مع مواطنيها اشد اساليب التعذيب ولانتهاكات التي تكون ضد حقوق الانسان في فعل المواطن فعلا ايا كان وكان ظاهلاا غبر باطن وبائن فعليهم انا يستجوبوا الشخص بكل احترام وعدم استخدام الافاظ التي تخدش الحياء من السب وشتم وغيره
الحيه للإستاذ ابراهيم شريف وجميع معتقلي الرأي في البحرين