ناشطو المعارضة في “قفص الاتهام” وسط استمرار القمع

تمثل ناشطون بارزون من المعارضة أمام المحكمة بعد اتهامهم بمهاجمة وحرق المقر الانتخابي للمرشح السابق للانتخابات الرئاسية، أحمد شفيق
© Amnesty International

بقلم ديانا الطحاوي، الباحثة في الشؤون المصرية بمنظمة العفو الدولية

حضرتُ اليوم في دار القضاء العالي أولى جلسات محاكمة 12 شخصاً بينهم ثلاثة من الناشطين البارزين، وذلك بعد اتهامهم بمهاجمة وحرق المقر الانتخابي للمرشح السابق للانتخابات الرئاسية، أحمد شفيق، بتاريخ 28 مايو/ أيار 2012.

وتخشى منظمة العفو الدولية أن ملاحقة الناشطين في هذه القضية تأتي على خلفية دوافع سياسية، وذلك في ظل قمع السلطات المصرية لحرية التعبير عن الرأي والمعارضة.

وفي المحاكمة التي حضرها محامون متخصصون في حقوق الإنسان، وناشطون من المعارضة، ومراقبون دوليون من الاتحاد الأوروبي وآخرون من ممثلي السلك الديبلوماسي، وأصدقاء المتهمين ومؤيدوهم، أنكر المتهمون جميع التهم المسندة إليهم جملة وتفصيلاً.  وقرر القاضي تأجيل النظر في القضية حتى يوم 3 سبتمبر، وذلك استجابة لطلب محامي الدفاع بالاطلاع على جميع تفاصيل ملف القضية واستدعاء الشهود  الاثبات.  وكان بعض ناشطي المعارضة البارزين من بين المتهمين الذين مثلوا أمام المحكمة اليوم.

ويُعرف اثنان من الناشطين، وهما علاء عبد الفتاح وأخته منى سيف، بمعارضتهما الشديدة لأحمد شفيق.  كما اشتُهرا بتوجيه الانتقادات للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، والرئيس مرسي، وحزب العدالة والحرية الحاكم، وجماعة الإخوان المسلمين.

ولقد تعرض علاء ومنى للمضايقات أو الاعتقال، في السابق جراء مجاهرتهما بمعارضتهما، ومشاركتهما في المظاهرات.

واعتُقل علاء عبد الفتاح بتاريخ 13 نوفمبر 2011 بتهمة المشاركة بأعمال العنف في الاحتجاجات التي اندلعت أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون في ماسبيرو بالقاهرة، وهي الأحداث التي أوقعت 27 قتيلاً.  ولقد احتُجز حينها إلى أن أُخلي سبيله في ديسمبر بانتظار انتهاء التحقيقات.  وتعتقد منظمة العفو الدولية أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد استهدف علاء عبد الفتاح جراء دوره البارز كمدون وناشط.  ولم يجر أبداً إبراز أدلة مقنعة تعزز التهم المسندة إليه، وعليه، فلقد جرى في إبريل 2012 إسقاط جميع التهم المسندة إليه.

ولقد استدعت النيابة العامة علاء للاستجواب مؤخراً على خلفية تتعلق بالاحتجاجات التي وقعت أمام مقر جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة بتاريخ 22 مارس.

وقال علاء لهيئة المحكمة اليوم أنه لم يشارك في الاحتجاج أمام مقر شفيق الانتخابي، وأنه سمع لاحقاً الأخبار التي تحدثت عن وقوع الاعتداء.

ولقد شاركت منى سيف في تأسيس حركة “لا للمحاكمات العسكرية” في مصر، وهي إحدى المرشحات لنيل جائزة “مارتن إينالز للمدافعين عن حقوق الإنسان” هذا العام.  وتعرضت منى للاعتقال والضرب على أيدي عناصر من القوات المسلحة أثناء اعتصام أمام مقر الحكومة المصرية في ديسمبر 2011.  وفي المحكمة، أوضحت منى أنها كانت في وسط البلد بالقاهرة أثناء الهجوم على مقر شفيق الكائن في حي آخر من أحياء القاهرة الكبرى.

كما يُعرف عن الناشطين الآخرين معارضتهم للحكومة الحالية.  وكان أحمد عبد الله وحركة شباب 6 إبريل التي ينتمي إليها من مؤيدي الرئيس مرسي في بادئ الأمر عندما كان مرشحاً في جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية المصرية العام الماضي.  بيد أنه وحركته قد أصبحوا أكثر انتقاداً لسياسات مرسي، وفي نوفمبر 2012 صعّدوا من معارضتهم العلنية له ولحزب الحرية والعدالة والإخوان المسلمين.

وكانت نقطة التحول في مواقفهم مقتل أحد أعضاء الحركة، ويُدعى جابر صلاح جابر (17 عاماً)، أثناء احتجاجات أمام وزارة الداخلية في العشرين من نوفمبر 2012 – ليكون بذلك أول قتلى المعارضة أثناء فترة حكم الرئيس مرسي.

وبعد يومين من تلك الواقعة، أصدر الرئيس مرسي اعلاناً دستورياً منح نفسه بموجبه صلاحيات مطلقة.  ومنذ ذلك الحين، دأب أعضاء حركة شباب 6 إبريل على المشاركة بشكل منتظم في المظاهرات المناوئة للرئيس مرسي ووزارة الداخلية، وتعرض عدد من أعضاء الحركة للاعتقال أثناء مشاركتهم في تلك المظاهرات.

وفي الشهور الأخيرة، استمر أحمد عبد الله في إدانته النشطة لانتهاكات حقوق الإنسان، وتحشيد مساندة الرأي العام.  وقال لمنظمة العفو الدولية، ولهيئة المحكمة، أنه لم يكن متواجداً أمام مقر شفيق وقت الهجوم عليه.

كما مثُل أمام هيئة المحكمة اليوم أيضاً متهم آخر يُدعى بهاء عبد العظيم بسطويسي، وهو أحد مؤسسي حزب الجبهة الديمقراطية من دمنهور.  ولقد اعتُقل عدة مرات أثناء حكم مبارك، وخصوصاً في 6 إبريل 2008 بداعي مشاركته في الاحتجاجات.

ولقد أنكر بسطويسي اليوم التهم المسندة إليه، وذكر أنه كان يحاول في الأثناء فض اشتباك اندلع في محيط منطقة الهجوم.  وعقب اعتقاله بتاريخ 28 مايو 2012، ظل محتجزاً حتى 18 يونيو عندما تم إخلاء سبيله بانتظار الانتهاء من التحقيقات.  ولقد أخبر منظمة العفو الدولية أنه قد جُرد من ملابسه وتعرض للضرب على أيدي عناصر قوات الأمن في آخر أيام احتجازه في دمنهور.

وفي 7 مارس من العام الجاري، أحالت نيابة شمال الجيزة هؤلاء الناشطين وثمانية آخرين إلى المحاكمة بتهم افتعال حريق عمد وإلحاق الأضرار بالممتلكات، والسرقة واستخدام العنف، وذلك على خلفية الهجوم الذي وقع على المقر الانتخابي للمرشح السابق أحمد شفيق بتاريخ 28 مايو 2012.  وبغية تأييد مزاعمه، أفرط النيابة في الاعتماد على الإفادات الشهود المزعومين، وهم سبعة أشخاص بينهم رئيس المباحث.

احتج مؤيدو الناشطين أمام المحكمة
© Amnesty International

وتأتي هذه القضية المرفوعة ضد الناشطين وسط تصعيد مقلق تقوم السلطات المصرية من خلاله بتحريك قضايا بدوافع سياسية ضد ناشطي المعارضة واستهدافهم بالمضايقات والاعتقالات هم وغيرهم من الصحفيين والمدونين والمحتجين وآخرين غيرهم.

ويرسل هذا القمع برسالة مفادها أن أنصار الممانعة والمعارضة ما انفكوا يدفعون دفع ثمن باهظ حتى تحت حكم أول رئيس مصري منتخب ديمقراطياً منذ “ثورة 25 يناير”، وتُعد بمثابة تذكار مرعب بأن الحكومات الراهنة تقلد سابقاتها وتحذو حذوها – سواء أكانت تحت حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أو في عهد الرئيس حسنى مبارك قبل الإطاحة به.

إقرأ المزيد :
مصر: توجيه تُهم إلى المزيد من الأشخاص في ظل تصاعد حملة القمع لحرية التعبير والمعارضة

Posted in الرقابة وحرية التعبير, المحاكمات الجائرة, مصر, مظاهرات | Leave a comment

ما عاد بوسع الحكومات التهرب من مسؤوليتها القاضية بحماية حقوق الإنسان كافة

في الخامس من مايو/ أيار الجاري، دخل البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حيز التنفيذ
© Amnesty International

بقلم سليل شيتي، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية

الفكرة جدُّ بسيطة: يُولد جميع الناس أحراراً، وهم متساوون في الكرامة والحقوق.  وما من استثناءات البتة على هذا الصعيد.  ولكن، وبعد مضي 65 عاماً على ولادة حركة حقوق الإنسان في العصر الحديث من رماد الحرب العالمية الثانية، أصبح يُنظر إلى بعض الحقوق على أنها أكثر أهمية وحيوية من غيرها.

فلقد أُعطيت الأولوية للحقوق المدنية والسياسية على حساب نظيراتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.  ولقد تجاهلت الحكومات الالتزامات المترتبة عليها في مجال نشر الحق في الحصول على التعليم والصحة والإسكان الغذاء والأجور المعيشية. Continue reading

Posted in حقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية | Leave a comment

لا زالت المعارضة تتعرض للاعتداء في “مصر ما بعد مبارك”

عوضاً عن استقاء الدروس والعبر من سقوط الرئيس حسني مبارك، السلطات المصرية تتهجم على منتقديها
© Mahmoud Khaled / Demotix

بقلم ديانا الطحاوي، الباحثة في الشؤون المصرية بمنظمة العفو الدولية

بمناسبة احتفال العالم في الثالث من مايو بالذكرى السنوية العشرين ليوم حرية الصحافة، يستمر قمع حرية الرأي والمعارضة دون هوادة في مصر ما بعد مبارك.

وعوضاً عن استقاء الدروس والعبر من سقوط الرئيس حسني مبارك، وقبول النقد والمعارضة كنتاج طبيعي لثورة 25 يناير، ها هي السلطات المصرية تتهجم على منتقديها.  وفي ممارسة هي من بواقي العهد الماضي، يحاول الخطاب الرسمي أن ينتقص من مصداقية معارضيه بتصنيفهم “كبلطجية”، وتصويرهم على أنهم ألعوبة بيد أعداء مصر الذين يتآمرون على تدمير البلد.
Continue reading

Posted in مصر | Leave a comment

الصحفيون في سورية مستمرون في تحدي الاعتداءات التي تستهدفهم

يوثق أحد المواطنين الصحفيين اعتداء وقع في جورة الشياح أحد أحياء مدينة حمص بتاريخ 24 يوليو 2012. الحقوق محفوظة
© REUTERS/Shaam News Network/Handout

بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، تصف نور البزاز من فريق البحث المعني بسورية في منظمة العفو الدولية مقدار التحدي الذي يظهره صحفيو سورية في وجه الاعتداءات التي تستهدفهم من جميع الأطراف

دأبت السلطات السورية طوال عقود على محاولة قمع بروز أية “حقيقة” لا تحظى بموافقتها أولاً.  وما كان ينبغي لي على الأرجح أن أشعر بالمفاجأة حيال السرعة التي عمدت من خلالها السلطات السورية إلى تصعيد قمعها لحرية الكلام عندما اندلعت المظاهرات السلمية مناديةً بالإصلاح في عام 2011، مستلهمةً في ذلك التطورات التي شهدتها تونس ومصر وغيرهما من البلدان آنذاك.  بيد أنه وفي سياق العنف المتصاعد وعمليات القتل التي تحصل على الأرض، فلقد اتسمت الطريقة التي اتبعتها السلطات في تعزيز احتكارها لرواية ما تطلق عليه وكالة الأنباء السورية (سانا) “حقيقة الأحداث الجارية” بشيء من الأسلوب الحالم المنسلخ عن الواقع الذي نجده حاضراً في كتابات الروائي البريطاني جورج أورويل.
Continue reading

Posted in الأفراد المعرضين للخطر, حرية الصحافة, سورية | Leave a comment

المليشيات الليبية تفقد قبضتها على زمام السلطة

شنت قوات من وزارتي الداخلية والدفاع حملة مداهمات على قواعد ميليشيات غير قانونية في مارس 2013
© MAHMUD TURKIA/AFP/Getty

ما برح باحثو منظمة العفو الدولية يستقصون ما حدث في ليبيا منذ سقوط الزعيم السابق معمر القذافي، وقد توصلوا إلى النتائج التالية:

لقد انخفض عدد الرجال المسلحين المتواجدين في نقاط التفتيش والمتحلِّقين في زوايا الشوارع والذين يسيِّرون الدوريات في المطارات انخفاضاً كبيراً في الأشهر الأخيرة في ليبيا. وبالنسبة للعديد من الليبيين، عادت الحياة إلى طبيعتها بعد انتهاء النـزاع، وأخذوا يتمتعون بالحقوق التي تأتي مع نهاية نظام قمعي، ويشاركون في الحياة السياسية الناشئة في البلاد. كما يشاركون في ورشات العمل الخاصة بحقوق الإنسان التي تعقدها منظمات عديدة، ويناقشون التحديات الماضية والراهنة التي تواجهها ليبيا. وفي الأسابيع الأخيرة، استقطب معرضا الكتاب المستعمل والسيارات الكلاسيكية اللذان أُقيما في ميدان الشهداء بطرابلس جمهوراً من الزائرين من محبي الاستطلاع.

ولكن تحت هذه القشرة، سرعان ما يتبيَّن أن حكم القانون واحترام حقوق الإنسان لا يزالان أبعد ما يكون عن المتناول. فالعديد من المليشيات ترفض نزع أسلحتها والانضواء تحت مظلة السلطات، ولا تزال تسيطر على مراكز الاعتقال وغيرها من المواقع الاستراتيجية. وفي الأيام الأخيرة قامت المليشيات بمحاصرة مبنى وزارة الخارجية ومنعت الدخول إلى المبنى والخروج منه، واحتجزت لفترة وجيزة صحفياً كان يقوم بتغطية أخبار الحادثة. وطالبت المليشيات المدججة بالبنادق والرشاشات بسنِّ قانون العزل السياسي، الذي تجري مراجعته من قبل المؤتمر الوطني العام، وباستقالة الوزير محمد عبد العزيز، الذي زعموا أنه عجز عن عزل السفراء الذين عيَّنتهم الإدارات السابقة.

وثمة نكتة شائعة بين العديد من الأشخاص الذين قابلناهم في ليبيا تقول إن السبيل الوحيد للحماية من التعرض للانتهاكات على أيدي إحدى المليشيات تكمن في طلب المساعدة من مليشيات أخرى. فقد انتقلت إحدى منظمات حقوق الإنسان التي طردتها إحدى المليشيات المسلحة من مقرها إلى منطقة خاضعة لمليشيا أخرى على سبيل المثال.

وقد أظهرت حكومة رئيس الوزراء علي زيدان، وخاصة وزير العدل صلاح المرغني إرادة سياسية حقيقية لكبح جماح المليشيات المسلحة ووضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان المنفلتة من عقالها والتي لا تزال تعصف بالبلاد، ومنها التوقيف والاعتقال التعسفيين والتعذيب أو غيره من ضروب إساءة المعاملة والتهجير القسري. وفي مواجهة مقاومة هائلة، وتهديدات وهجمات من قبل المتشبثين بالوضع الراهن، بدأ وزير العدل خطة وزارية لوضع حد للاعتقال غير القانوني واستعادة السيطرة على السجون في كافة أنحاء البلاد.

وفي 31 مارس/آذار تعرَّضت وزارة العدل لهجوم من قبل إحدى المليشيات التي عارضت تسليم المعتقلين. وفي كلمته التي ألقاها في منتدى لمنظمات حقوق الإنسان، وهو الأول من نوعه الذي تعقده لجنة حقوق الإنسان التابعة للمؤتمر الوطني العام في 29 أبريل/نيسان في طرابلس، شجب وزير العدل “ثقافة التعذيب” الحالية والسجون غير القانونية، واصفاً إياها بأنها “العدو الرئيسي لثورة 17 فبراير/شباط”، وهو الاسم الذي أُطلق محلياً على نـزاع عام 2011. كما أظهر عزماً وشجاعة كبيرين، حيث تعهد بالتزام حكومته بتنفيذ القانون الصادر مؤخراً، الذي يجرِّم التعذيب والاختفاء القسري والتمييز، وبانتهاج سياسة حظر الاعتقال غير القانوني حظراً شاملاً. وحدد صلاح المرغني موعداً نهائياً لتسليم المعتقلين إلى سلطات الدولة، وهو يونيو/حزيران 2013. واعتبر الأشخاص الذين لا يلتزمون بذلك في عداد “الخاطفين” وبالتالي الخارجين عن القانون.

وعلى الرغم من قوة هذه العبارات، فقد تعرَّض المدَّعون العامون والمحققون الجنائيون والصحفيون والمحامون ونشطاء حقوق الإنسان وغيرهم ممن جهروا بآرائهم ضد الانتهاكات التي ترتكبها المليشيات، للتهديدات والترهيب والعنف أحياناً. فقد تحدَّث أحد المدعين العامين في مصراته، حيث يقبع نحو 3,000 معتقل في مراكز اعتقال رسمية وشبه رسمية وغير معترف بها، لمنظمة العفو الدولية عن الظروف الصعبة التي يعمل في ظلها الادعاء العام والمحاكم. فعلى سبيل المثال لا يتم احترام أوامر الادعاء العام، وتعرَّضت منازل اثنين، على الأقل،  من المدعين العامين لهجوم بمتفجرات محلية الصنع. واختُطف محام يدافع عن أشخاص متهمين بالولاء للقذافي لمدة يوم واحد وتعرَّض للضرب، وقامت مجموعة من الرجال بقطع الإجراءات القضائية احتجاجاً على حكم أصدرته المحكمة واعتبروه حكماً خفيفاً. وقد دفعت تلك الظروف الموظفين القضائيين في مصراته إلى الإضراب عن العمل لمدة أسبوعين في أبريل/نيسان. وفي الوقت نفسه، لا يزال آلاف الأشخاص، ومن بينهم معتقلون منذ نحو سنتين، يقبعون في الحجز بدون تهمة أو محاكمة.

وفي الأسبوعين الماضيين، زار وفد من منظمة العفو الدولية 15 مركز اعتقال، يخضع بعضها لسلطة وزارة العدل، ويخضع بعضها الآخر للسيطرة الإسمية لوزارة العدل أو الداخلية أو الدفاع، بينما تخضع مراكز اخرى لسيطرة الكتائب المسلحة. وفي بعض مراكز الاعتقال كانت حالات التعذيب التي نمت إلى علم مندوبينا أقل من تلك التي وصلت إلى مسامعهم في الزيارات السابقة. وفي مراكز أخرى، استمر استخدام الأساليب المعهودة، من قبيل التعليق في أوضاع ملتوية والضرب بأدوات مختلفة، كخراطيم المياه والأسلاك المعدنية، على كافة أنحاء الجسم لعدة ساعات. كما استمر استخدام الصعق الكهربائي أثناء التحقيق أو بعد الاعتقال مباشرةً في مراكز الاعتقال السرية أو شبه الرسمية. وقال معتقلون لمنظمة العفو الدولية إنهم تعرضوا للحرق بالملاعق الساخنة أو أعقاب السجائر أو الأكياس البلاستيكية التي يتم إحراقها. كما تعرضوا للجرح بالسكاكين، حتى في أعضائهم التناسلية، والتقييد بالأسرَّة المعدنية، والضرب بينما تكون وجوههم على الأرض. وفي أحد مراكز الاعتقال تحدث المعتقلون عن أن الحراس عمدوا إلى رشِّ عيونهم بمادة مضادة للحشرات. كما ذكر أحدهم كيف تم تعليقه من يديه في مطلع عام 2013، بينما قام أحد رجال المليشيا بحرق ظهره.

وفي ما لا يقل عن أربعة أماكن زارها مندوبو منظمة العفو الدولية، وتحديداً سجن ماجر وإدارة مكافحة الجريمة في مصراته واللجنة الأمنية العليا في أبو سليم والسجن الجنوبي في الزاوية، تم إخراج الأشخاص الذين تظهر على أجسادهم علامات تعذيب أو جروح بالغة من زنازينهم أثناء فترة زيارة المنظمة للسجن، بحسب ما ذكر معتقلون آخرون. كما ذكر آخرون أنهم تعرَّضوا لمعاملة مهينة وحاطة بالكرامة، وحُلقت رؤوسهم وحواجبهم كإجراءات عقابية من قبل المليشيات. وحتى في السجون الرسمية، وتحت رعاية وزارة العدل، اشتكى المعتقلون من العقوبات التأديبية والمهينة واللاإنسانية التي اتُخذت بحق الأشخاص الذين يخالفون قواعد السجن أو “يسيئون” إلى الحراس. ويُرغم المعتقلون المعاقَبون على الجري في الباحة والزحف على ركبهم، ويتعرضون للضرب، وفي بعض الحالات يوضعون في الحبس الانفرادي لمدد طويلة في ظروف غير ملائمة وفي زنازين تفتقر إلى التهوية المناسبة أو الفراش الملائم. كما يحُرمون من الحق في تلقي زيارات من عائلاتهم وغيرها من الحقوق. وفي إحدى مراكز الاعتقال تحدَّث بعض المعتقلين عن التعرض لممارسات قاسية، حيث كان الحراس يوقظونهم بالضغط على وجوههم بالأحذية. ولم تسلم النساء من مثل تلك المعاملة. ففي سجن تابع لجهاز الشرطة القضائية، اشتكت بعض المعتقلات لمنظمة العفو الدولية من أنه يجري إخراجهن إلى باحة السجن وإرغامهن على الوقوف لعدة ساعات في الحر أو البرد. وفي بعض الحالات يُرغمن على مواجهة الجدار ويتعرضن للضرب بالأيدي على رقابهن وظهورهن، واشتكت إحداهن من أنه تم سكب الماء البارد على جسمها بأكمله. وتحدثت أخريات عن تعرضهن لإجراءات نظافة مهينة من قبل الحراس، الذين يفحصون النساء اللائي لا يؤدين الصلاة للتأكد من أنهن في حالة حيض فعلاً ومن إزالة شعر العانة والإبطين بشكل منتظم.

ولا تقتصر ممارسة التعذيب وإساءة المعاملة على حالات الأفراد المتهمين بالقتال إلى جانب الحكم السابق أو دعمه، بل إن المهتمين بارتكاب جرائم عادية يتعرضون لانتهاكات مشابهة. وقد تبيَّن أن هيئة جديدة نسبياً، وهي إدارة مكافحة الجريمة التي تدعي أنها خاضعة لسلطة وزارة الداخلية وتفسر الصلاحيات التي منحتها لنفسها على أنها مكافحة جرائم من قبيل القتل العمد والاتجار بالمخدرات، قد تورَّطت في حوادث التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة التي وقعت مؤخراً، ومن بينها إطلاق النار على أرجل الأشخاص الموقوفين. وفي بعض الحالات انتهز أشخاص عاديون فرصة غياب الأمن وحكم القانون للقيام بعمليات انتقامية على خلفية قضايا شخصية. وروى أحد المعتقلين كيف قام أحد أفراد المليشيات باختطافه من الشارع ثم ركله في وجهه مما أسفر عن خلع خمسة من أسنانه، وذلك على خلفية نزاع شخصي بينه وبين أصهاره بحسب ما ورد. وقد احتُجز لمدة تزيد على ثلاثة أشهر بدون تهمه أو محاكمة في مركز اعتقال شبه رسمي.

وفي الوقت الذي لا تزال العراقيل التي توضع على طريق الإصلاح والأوضاع المزرية لحقوق الإنسان مستمرة، فإن العديد من الليبيين العاديين الذين فاض بهم الكيل من حجم السلطات التي تتمتع بها المليشيات، بدأوا يرفعون أصواتهم ويحاولون التصدي لانتهاكات حقوق الإنسان على أيدي المليشيات. فقد ندَّدت مظاهرة صغيرة – لكنها الأولى من نوعها- نُظمت في الزاوية في 14 أبريل/نيسان تحت شعار “لا شرعية للظلم”، بالتعذيب الذي يُرتكب في مراكز الاعتقال على أيدي “الثوار”. ويبدو أن الحقبة التي عومل بها “الثوار” على أنهم أبطال لا يجوز المساس بهم وأُنزلوا المقام الرفيع قد انتهت، وأن محاولاتهم التغطية على الانتهاكات ربما تكون علامة على أنهم أدركوا أخيراً أنهم لن يتمتعوا بالحصانة من يد العدالة إلى الأبد.

وفي كلمتها أمام منتدى حقوق الإنسان نفسه الذي عُقد في طرابلس اليوم، شجبت رئيسة لجنة حقوق الإنسان في المؤتمر الوطني العام أمينة المغربي الانتهاكات الراهنة، وقالت إنها لا تمثل أهداف الانتفاضة. كما رفض رئيس الوزراء علي زيدان رفضاً قاطعاً محاولات المليشيات فرض القانون بقوة السلاح، وشجَّع منظمات ونشطاء حقوق الإنسان على مواصلة جهودهم والاستمرار في عملهم.

إقرأ المزيد:
10 خطوات من أجل حقوق الإنسان – إعلان مانيفستو منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان في ليبيا
ليبيا: قبضة الميليشيات عصية على سيادة القانون

 

Posted in التعذيب وسوء المعاملة, الشرق الأوسط والشمال أفريقيا, ليبيا | Leave a comment