ما عاد بوسع الحكومات التهرب من مسؤوليتها القاضية بحماية حقوق الإنسان كافة

في الخامس من مايو/ أيار الجاري، دخل البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حيز التنفيذ
© Amnesty International

بقلم سليل شيتي، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية

الفكرة جدُّ بسيطة: يُولد جميع الناس أحراراً، وهم متساوون في الكرامة والحقوق.  وما من استثناءات البتة على هذا الصعيد.  ولكن، وبعد مضي 65 عاماً على ولادة حركة حقوق الإنسان في العصر الحديث من رماد الحرب العالمية الثانية، أصبح يُنظر إلى بعض الحقوق على أنها أكثر أهمية وحيوية من غيرها.

فلقد أُعطيت الأولوية للحقوق المدنية والسياسية على حساب نظيراتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.  ولقد تجاهلت الحكومات الالتزامات المترتبة عليها في مجال نشر الحق في الحصول على التعليم والصحة والإسكان الغذاء والأجور المعيشية.

ولطالما ذهبت الوعود العديدة المتعلقة بتوفير مساعدات خارجية أدراج الرياح.  وتدفع حكومات الدول بحجة نقص الموارد كسبب تسوقه لتبرير عدم الوفاء بتلك الوعود، وتزعم أنها غير مسؤولة.  وبذلك، فلقد سمحت بأن تُلقى مسؤولية مساعدة الذين يرزحون تحت وطأة الفقر على عاتق المؤسسات الخيرية، فيما مضت تلك الحكومات في طريقها نحو الاستثمار في المساعدات العسكرية.

وفي الفقر، فلا يوجد ما يمكن الزعم بحتمية الأمور وأنه لا مفر منها، ولا يقتصر تباين مستويات الدخل وتفاوتها على مجرد أرقام بحتة.  بل إن ذلك نتاج للقوانين والسياسات والممارسات التي تنتهجها الحكومات؛ وهي بالتالي مؤشر لمدى التزام الدولة من عدمه بنشر المساواة.  وأما الجهات التي ترفض مبدأ المساواة، فإنها تقوم بذلك مع علمها بأنها تجعل حياة الأفراد عرضة للخطر.

وثمة أعداد كبيرة من الناس في هذا العالم ممن يُحرمون من حقهم في الحصول على السكن الملائم والماء والطعام والصرف الصحي والصحة والعمل والتعليم جراء غياب الإرادة السياسية، وليس غياب الموارد.  وتقضي امرأة أو فتاة واحدة نحبها كل 90 ثانية جراء مضاعفات الحمل – وهي مضاعفات يمكن معالجتها بالمناسبة.  ويتسبب غياب الاستثمار في خدمات الرعاية الصحية، وتجذر التوجهات والمواقف التمييزية ضد المرأة في وفاة عدد لا يُحصى من النساء – وهن اللواتي كان بالإمكان إنقاذ أرواحهن.

وينتقل آلاف الأشخاص يومياً للعيش في العشوائيات لانعدام الخيارات الأخرى أمامهم.  وفي بعض الحالات، فلقد أُخلي هؤلاء من أراضيهم قسراً.  وفي حالات أخرى، أدى تقاعس الحكومة عن التصدي للتدهور البيئي في مناطقهم إلى اضطرارهم للرحيل عنها للبقاء على قيد الحياة.  ومع الاتجاهات العامة الحالية، فمن المتوقع أن يصل عدد سكان العشوائيات إلى مليار وأربعمائة مليون نسمة بحلول العام 2020.

ويستحيل على الفقراء من الناس أن يحظوا بمعاملة على قدر من المساواة مع غيرهم أمام القانون، كما يصعب على المرضى المحرومين من إمكانية النفاذ إلى خدمات الرعاية الصحية والحصول عليها المشاركة بشكل نشط في المجتمع.  ومع ذلك، وعلى الرغم مما يعانونه من إهمال، تظل حقوقهم مكرسة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ وهو صك صادر عن الأمم المتحدة صادقت عليه أكثر من 160 دولة، ويتمتع بذات الصفة التي تتمتع بها صكوك القانون الدولي المعنية بحقوق الإنسان الأخرى – من قبيل الحق في الحصول على محاكمة عادلة، والحق في حرية الكلام والرأي.

وبوسع منظمة العفو الدولية الإشارة إلى أمثلة عديدة تقوم الحكومات فيها بمخالفة صكوك القانون الدولي التي تحمي هذه الحقوق، وذلك من قبيل ما حصل في نيجيريا، حيث قررت السلطات المحلية في مدينة بورت هاركورت بتاريخ 28 أغسطس 2009 تجاهل الأمر الصادر عن المحكمة، وبادرت إلى إزالة إحدى المستوطنات المقامة على واجهة مائية، ليجد أكثر من 13000 شخصاً أنفسهم مشردين؛ ولعلنا نجد مثالاً آخر في سلوفينيا حيث تقطن العديد من عائلات طائفة الروما في مستوطنات عشوائية، ويُحرمون من الحصول على خدمات المياه والصرف الصحي.  وقائمة الانتهاكات هذه تطول متنوعةً ما بين عزل أطفال الطائفة عن أقرانهم في المدارس الأوروبية، وعدم حصول النساء على خدمات الصحة الإنجابية في إفريقيا والأمريكيتين.

ويُعد النفاذ إلى نظام العدالة والحصول على تعويض فعال أمران جوهريان بالنسبة لضحايا جميع انتهاكات حقوق الإنسان؛ وثمة أمل جديد يلوح في الأفق لضحايا تلك الانتهاكات.  ففي الخامس من مايو، دخل البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حيز التنفيذ.

فلقد قبلت عشرة بلدان – من الإكوادور والأرجنتين، إلى إسبانيا والبرتغال – الآلية الجديدة، وهو ما يجعل من الممكن للأفراد والجماعات السعي وراء تحقيق العدالة من خلال الأمم المتحدة في حال تعرض حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للانتهاك، وفي حال لم تكن التعويضات الفعالة متاحة في بلدانهم.

وبعد مضي ما يقرب من 40 عاماً على دخول البروتوكول الاختياري المشابه الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حيز التنفيذ، فلقد تمكنّا أخيراً من تحقيق المساواة بين الصكين الدوليين، ونجحنا في إضفاء معنىً حقيقي على مبدأ عدم قابلية جميع الحقوق للتجزئة وترابطها مع بعضها البعض، وذلك كما نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عليه.

وعلى الرغم من أن هذه الخطوة هي جد هامة، بيد أنه لا يوجد بلد إفريقي واحد بين الدول الأطراف في هذا البروتوكول، فيما كانت منغوليا البلد الآسيوي الوحيد الذي صادق عليه.  وعشرة فقط  هي الدول التي قامت بالمصادقة على البروتوكول من بين 160 بلداً مؤهلة للقيام بذلك.

وأهنئ بدوري أول 10 بلدان قامت بالمصادقة على البروتوكول، بيد أنه يتعين على باقي الدول ان تحذو حذوها أيضاً.  فمن أجل إعمال حقوق الإنسان بشكل حقيقي، لا بدّ أن يُتاح لجميع من تنتهك حقوقهم الحصول على التعويض الفعال والانتصاف سواء أكانت حقوقهم التي انتُهكت مدنية وسياسية أو اقتصادية واجتماعية وثقافية.  فهذا هو أقل ما يمليه علينا إرث الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

إقرأ المزيد:

هل بلدك دولة شريكة لالبروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟
لنطالب بالكرامة

Posted in حقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية | 1 Comment

  1. نعم لم تستطع أي حكومة ان تتملص مم قد ارتكبتة من أخطاء أو جرائم بحق شعوبها في ظل التكنولوجيا المعلوماتية .. وأن تتملص من تعهداتها الدولية وأحترام مواثيق حقوق الأنسان ..

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>