كريستوفر كيث هول في الذاكرة

يحظى كريستوفر كيث هول بالاحترام على نطاق واسع كخبير في مجال العدالة الدولية بمنظمة العفو الدولية © Coalition for the ICC

بقلم ويدني براون، كبير مديري برنامج القانون الدولي والسياسات في منظمة العفو الدولية.

التقيتُ كريستوفر كيث هول أول مرة في مؤتمر معاهدة روما الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية، الذي عُقد في صيف عام 1998 الحار والرطب. وكان كريستوفر أحد البناة الرئيسيين للحملة الرامية إلى إنشاء محكمة يتم فيها تقديم المسؤولين عن أسوأ الانتهاكات إلى ساحة العدالة، عندما تكون أنظمة العدالة الجنائية غير مستعدة للقيام بذلك أو غير قادرة عليه.

في مبنى منظمة الأغذية والزراعة (فاو) الكائن في مدينة روما – حيث كان تكييف الهواء متقطعاً- أصبح واضحاً لي بسرعة، كقادم جديد إلى هذا المشهد، أن معارف كريستوفر وخبراته كانت موسوعية ولا يضاهيه فيها أحد.

حتى في هذا الطقس الحار- هل قلتُ الطقس الحار؟- كان كريستوفر يرتدي قميصه المعتاد ماركة أكسفورد وربطة عنق وصدرية وسترة، عندما تحدَّى الدول التي كانت تبذل كل ما في وسعها لوقف هذه الخطوة المهمة باتجاه التأكد من أن كل مَن يرتكب فظائع أو يأمر بارتكابها لن ينعم بالراحة أبداً.

لو كان كريستوفر هو كاتب هذه السطور لاستخدم عبارة الإفلات من العقاب. فقد كانت مفرداته- باللغات الإنجليزية والفرنسية واللاتينية- مؤثرة. كما كانت لغته لغة خبراء وليست لغة الأشخاص الذين لا يتوخون الدقة، ولا أولئك الذين حاولوا ترجمة هذه المصطلحات القانونية للفن إلى لغة الحملات.

وعندما أُعلن نظام روما الأساسي بعد سنتين من تاريخ انعقاد مؤتمر روما، استحضر كريستوفر مواهبه الهائلة فيما يتعلق بكيفية تنفيذ الدول للنظام الأساسي بصورة فعالة. وبفضل إرشاداته، لعبت منظمة العفو الدولية دوراً قيادياً فيما يتعلق بالقانون النموذجي الذي نفَّذ النظام الأساسي بشكل فعال وبضمان ازدهار مفهوم التكاملية.

وبعد مرور ثماني سنوات على لقائي بكريستوفر انضممتُ إلى منظمة العفو الدولية، حيث شغلتُ منصب المدير العام لبرنامج القانون الدولي والسياسات. في البداية شعرتُ بالخجل، بل كنت مرعوباً إلى حد ما من مجرد فكرة العمل مع كريستوفر، فكم بالحري أن أكون مسؤولاًَ عنه. لكنني ما كان ينبغي أن أشعر بالقلق لأن كريستوفر، الذي لم يرد أن يكون مديراً على الإطلاق، رحَّب بي بسبب شغفنا المشترك بالعدالة الدولية.

وعندما انضممتُ إلى منظمة العفو الدولية حيَّاني كريستوفر وهو يرتدي قميصه القماش المعتاد ماركة أُكسفورد وربطة عنق وصدرية وسترة. وعلى مدى السنوات السبع الأخيرة خضتُ تجربة العمل مع شخص ظلت خبراته لا تُضاهى. وقد شهدتُ إصراره الشديد على تحدي أي تهديد لمبدأ وضع حد للإفلات من العقاب.

وبسبب ذلك الإصرار لم يكن كريستوفر دائماً هو الشخص الأسهل تعاملاً بين زملائه. وما كان يمكن أن يخرج أي بيان صحفي حول القضايا الدولية بدون أن يتضمن العبارات الدقيقة المتعلقة بـ “الجرائم بموجب القانون الدولي”، وليس الجرائم الدولية.

ولكنني كلما شعرتُ بالإحباط من جراء متانة لغة كريستوفر في البيانات الصحفية ومواد الحملات، كنت أغفر له ذلك بسبب إخلاصه وتكريس جهده لعمل منظمة العفو الدولية من أجل وضع حد لإفلات مرتكبي الفظائع من العقاب، ومن ثم شغفه بإشاعة السلام.

لم يتحدث كريستوفر كثيراً عن هذا الشغف- وهو يعمل مع منظمة لحقوق الإنسان لا تتخذ موقفاً من قانونية الحرب. ولكن شغف كريستوفر- الذي بلغ سن الرشد في الولايات المتحدة أثناء حرب فيتنام والذي أدى الخدمة العسكرية هناك- بالسلام كان بمثابة تيار غير معلن أسهم في جعل عمله يتسم بالتبصُّر.

ولم يُرد كريستوفر أن يتعرَّض أي شخص من ضحايا الجرائم التي تشكل انتهاكاً للقانون الدولي للنسيان أو الحرمان من العدالة. وإذا أردنا أن نكرِّم كريستوفر وحبه للسلم، فإنه يتعين علينا أن نلتزم مجدداً بحملته المثابرة من أجل ضمان تقديم المسؤولين عن  أفظع الجرائم، كجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب،ٍ إلى ساحة العدالة.

إلى زوجته فرانسوا وطفليه نقول: إن منظمة العفو الدولية تحتفظ بكريستوفر كيث هول ومشاعره الجياشة في “حمضها النووي”، وسيظل في ذاكرتنا دائماً، وسنواصل نضاله من أجل العدالة.

إقرأ المزيد:

نعي: كريستوفر كيث هول 1946-2013

Posted in العدالة الدولية | 1 Comment

  1. سنكون كذلك .. ندعم كل مامن شأنة الحيلولة دون تعرض أي شخص لأنتهاك لكرامتة والزمنا انفسنا دينيآ وأخلاقيآ بأن ندافع عن كل من يتعرض لأنتهاك في كرامتة وحياتة …

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>